الراغب الأصفهاني

158

الذريعة إلى مكارم الشريعة

فالخيرات يترقى فيها فيبلغ إلى أشرف المنازل بأربع درجات ، وينحدر عنها فيبلغ إلى أرذل المنازل بأربع درجات . فأما درجات الارتقاء فأولاها : أن يرتدع الإنسان عن المآثم ويهجرها ، ويندم عليها ، ويعزم على ترك معاودتها ، وذلك أول درجة التائبين المطيعين للّه ورسوله . وثانيها : أن يقوم بالعبادات الموظفة عليه ، ويسارع فيها بقدر وسعه وذلك درجة الصالحين . وثالثها : أن يتحرى بعلمه الحقيقي تعاطي الحسنات من غير تلفت منه إلى المحظورات بمجاهدة هواه ، وإماتة شهواته ، وذلك منزلة الشهداء . ورابعها : أن يكون مع هذه الأحوال المتقدمة يرضى ظاهرا وباطنا بقضاء اللّه وقدره فلا يتزعزع تحت حكمه ، ولا يتسخط شيئا من أمره ، ويعلم أن اللّه تعالى أولى به من نفسه ، وذلك درجة الصديقين . وهذه المنازل الأربعة هي المراد بقوله تعالى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً « 1 » . وأجدر أن تكون هذه المنازل الأربعة هي المأمور بها في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ

--> - سنة . في هذا العمر يحصل ضعف القوى والخرف وسوء الحفظ وقلة العلم ، ولذا قال لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً أي بعد علمه أصبح لا يدري شيئا ، ولذا استعاذ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم - كما في حديث البخاري - من الهرم ، . ابن كثير / تفسير سورة النحل - ظلال القرآن / 4 / 2183 دار الشروق ( 1 ) النساء / 69 .